عبد القاهر الجرجاني

10

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

بالعجزِ عنه . ولأنَّ الأمرَ كذلكَ ، ما قامتْ به الحجةُ على العَجم قيامَها على العرب 1 واستوى الناسُ قاطبة ، فلم يَخْرج الجاهلُ بلسانِ العرب من أن يكونَ مَحْجوجاً بالقرآن . قيلَ له : خبِّرنا عما اتفقَ عليه المُسلمون منِ اختصاص نبينا صلى الله عليه وسلم بأنْ كانتْ معجزتُه باقيةً على وجهِ الدَّهر ، أتعرفُ له معنى غيرَ أنْ لا يزالُ البرهانُ منه لائحاً مُعرَّضاً لكلَّ من أرادَ العلمَ به ، وطلبَ الوصولَ إِليه ، والحجةُ فيه وبه ظاهرةً لمن أرادَها ، والعلمُ بها ممكناً لمن التسمه ؟ فإِذا كنتَ لا تشكُّ في أَنْ لا معنى لبقاءِ المُعجزة بالقرآن إلاَّ أنَّ الوصفَ الذي له كان معجزاً قائمٌ فيه أبداً ، وأنَّ الطريقَ إِلى العلم به موجودٌ ، والوصولَ إِليه ممكنٌ ، فانظرْ أيَّ رجلٍ تكونُ إِذا أنتع زهدْتَ في أن تعرفَ حُجَّة الله تعالى ، وآثرتَ فيه الجهلَ على العِلمِ ، وعدمَ الاسْتبانةِ على وُجودِها ، وكان التّقليدُ فيها أحبَّ إِليك ، والتعويلُ على علمِ غيرِك آثرَ لديك ، ونحِّ الهوى عنك ، وراجح عقلك ، واصدُقْ نفسك ، يَبِنْ لك فُحشُ الغلطِ فيما رأيتَ ، وقبْحُ الخطأ في الذي توهَّمتَ . وهل رأيتَ رأياً أعجزَ ، واختياراً أقبحَ ممن كَرِهَ أَن تُعرفَ حجةُ الله تعالى منَ الجهةِ التي إِذا عُرفْت منها كانت أنْورَ وأبهرَ ، وأقوى وأقهر ، وآثرَ أَنْ لا يَقْوى سلطانُها على الشَّرْك كلَّ القوّة 2 ، ولا تَعْلو على الكفر كلَّ العلو ؟ والله المستعان .

--> 1 ما في قوله " ما قامت " مصدرية . 2 قوله " وآثر " معطوف على قوله " كره " .